عبد العزيز الدريني

53

طهارة القلوب والخضوع لعلام الغيوب

في الصور وهو قرن في فمه ، عرض القرن عرض السماوات والأرض فينفخ فيه نفخة فيموت كل من في السماوات والأرض إلا من شاء اللّه وهم جبرائيل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل عليهم الصلاة والسلام فإنهم لا يموتون بالنفخة ولكن يميتهم اللّه تعالى بعد ذلك بقدرته ، ثم تمكث الخلائق موتى أربعين سنة ثم يحيى اللّه تعالى إسرافيل فيأمره أن ينفخ ثانية وتجمع له الأرواح جميعا في الصور لكل روح باب تخرج منه ويعيد اللّه تعالى الأجساد كما كانت في الدنيا فتكون على ظهر الأرض ملقاة تنبت من الأرض نباتافإذا ( نُفِخَ فِيهِ أُخْرى ) تخرج كل روح إلى جسدها ( فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ ) فالسعيد من أيقظه اللّه تعالى للاستعداد وتحصيل الزاد ، والغافل عن ذكر الموت والمعاد مصدّق بقلبه مكذّب بعمله يهتم للشتاء والصيف قبل دخوله وهو يغفل عن الموت وطوله فهو كمن أخبره مخبر أن هذا الطعام مسموم فقال صدقت ومدّ يده فأكل ، فهو مصدق بقلبه مكذب بفعله ، فنسأل اللّه تعالى أن يلهمنا رشدنا بمنه وكرمه وفضله ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلي العظيم . في قول اللّه سبحانه وتعالى : ( أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ . لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) . قال أبو الدرداء : سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن هذه الآية فقال : « ما سألني عنها أحد قبلك ، هي الرّؤيا الحسنة يراها المؤمن أو ترى له » . واعلم أن المرء لا يموت حتى يعلم إلى أين مصيره . ولما حضرت معاذ بن جبل الوفاة قال : اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك . اللهم إنك تعلم أنى لم أكن أحب الدنيا لجرى الأنهار ، ولا لغرس الأشجار ، ولكن لظمأ الهواجر ، ومكابدة الساعات ، ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر . فلما اشتد النزع به قال : وعزتك إنّك لتعلم أن قلبي يحبك ثم أغمي عليه ثم أفاق ، وكان له ولد قتل شهيدا فقال : أتى ولدى فأخبرني أنه لحق بالذين أنعم اللّه عليهم ، وأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد جاءني في مائة ألف من النبيين